آداب الدعاء وأوقات يُرجى فيها الإجابة
كلنا ندعو في لحظة ما، لكن قليلين يسألون: هل للدعاء آداب؟ وهل هناك أوقات أقرب للإجابة؟ والجواب أن باب الدعاء مفتوح في كل وقت وبأي لغة، وأن الشرع مع ذلك دلّنا على آداب تعين على الإخلاص وحضور القلب، وعلى أوقات وأحوال يُرجى فيها القبول أكثر. وفي هذا المقال نجمع أشهرها بأدلتها.
الدعاء عبادة وقُرب
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. ولاحظ أن الآية لم تقل «فقل لهم»، بل جاء الجواب مباشرة: «فإني قريب». وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. وفي الحديث: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (رواه أبو داود والترمذي). فالدعاء ليس مجرد وسيلة لقضاء الحاجات، بل هو في ذاته عبادة وتذلل وقرب من الله.
آداب الدعاء
الإخلاص وحضور القلب. ادعُ وأنت تعلم أنك تخاطب الله وحده، وأنه أقرب إليك مما تظن. فالكلمات القليلة الصادقة خير من عبارات كثيرة تجري على اللسان دون قلب.
البدء بالحمد والصلاة على النبي ﷺ. سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو دون أن يحمد الله ويصلي عليه، فوجّهه إلى أن يبدأ بالحمد والثناء على الله ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء (رواه أبو داود والترمذي).
التوسل بأسماء الله الحسنى. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. فتقول مثلًا: يا رحمن ارحمني، يا رزّاق ارزقني، يا شافي اشفِ مرضانا.
الخفض وعدم الاعتداء. قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]. وفسّر بعض العلماء الاعتداء في الدعاء بأمور منها رفع الصوت بلا حاجة، وسؤال ما لا يجوز.
الجزم في المسألة. قال النبي ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (متفق عليه). فاسأل بثقة وإلحاح، ولا تعلّق طلبك بقولك «إن شئت».
طيب المطعم. ذكر النبي ﷺ رجلًا يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذّي بالحرام، ثم قال: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» (رواه مسلم). فالحلال سبب لقبول الدعاء، ولا يعني ذلك أن تيأس إن أخطأت، بل أن تتوب وتصلح.
رفع اليدين. ورد أن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما خاليتين (رواه أبو داود والترمذي). وهو من آداب الدعاء المستحبة وليس شرطًا في صحته.
الدعاء لغيرك مع نفسك. فهو أقرب إلى الإخلاص، وفيه بشارة الملَك «ولك بمثل»، وقد فصّلنا ذلك في مقال الدعاء بظهر الغيب.
أوقات وأحوال يُرجى فيها القبول
الدعاء مشروع في كل وقت، لكن النصوص ذكرت أوقاتًا وأحوالًا هي أرجى للإجابة، فاغتنمها دون أن تحصر نفسك فيها.
الثلث الأخير من الليل. قال النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه). وأقل ما تفعله ركعتان وبضع دقائق قبل الفجر.
السجود. قال ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (رواه مسلم). فاجعل لك في كل سجدة حاجة تسأل بها.
بين الأذان والإقامة. ورد في حديث أنس رضي الله عنه أن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدّ (رواه أبو داود والترمذي)، فهي دقائق يسيرة تتكرر كل يوم.
ساعة يوم الجمعة. ذكر النبي ﷺ يوم الجمعة فقال: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (متفق عليه). واختلف العلماء في تحديدها، فقيل ما بين جلوس الإمام على المنبر وانقضاء الصلاة، وقيل آخر ساعة بعد العصر، فيحرص المسلم على الوقتين.
يوم عرفة. قال النبي ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (رواه الترمذي وحسّنه الألباني). وهو مفتوح لمن لم يحج أيضًا.
دعاء المضطر والمكروب. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. فلحظة الضيق الشديد فرصة للانكسار بين يدي الله.
احذر دعوة المظلوم
قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (متفق عليه). وهي نصيحة لكل من وُلّي أمرًا أو عامل الناس: لا تظلم أحدًا، فقد يدعو عليك وهو لا يملك شيئًا غير دعائه. وهي كذلك بشرى لمن ظُلم أن الله يسمع شكواه.
هل الدعاء الذي لم يتحقق ضاع؟
قد تدعو طويلًا فلا ترى الأثر، فيتسلل اليأس. وقد علّمنا النبي ﷺ أن الدعاء لا يضيع، فقال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». قالوا: إذن نكثر؟ قال: «اللَّهُ أَكْثَرُ» (رواه أحمد وصححه الألباني).
فتأخر ما طلبته قد يكون ادّخارًا لك، أو صرفًا لبلاء لم تكن تعلم به. وما عليك إلا أن تحسن الظن بربك وتواصل.
عادة بسيطة تبدأ بها
لا تبدأ بقائمة طويلة تتركها بعد أيام. اختر وقتًا واحدًا ثابتًا، كالسجدة الأخيرة في صلاتك أو الدقائق التي تسبق نومك، وسمِّ فيه ثلاثة من أحبابك بأسمائهم، وسلْ الله لكل منهم خيرًا بعينه. ثم أضف الوقت الثاني بعد أن يستقر الأول. والقليل الدائم أحب إلى الله من الكثير المنقطع.