الدعاء للوالدين أحياءً وأمواتًا: أدلته وصيغه وآدابه

نُشر في أكتوبر 2026 · فريق ادعيلي · منهجنا في التحرير

قد يبقى الوالدان وقد يرحلان، وفي الحالين يظل للولد باب مفتوح يبرّهما منه: الدعاء. وفي هذا المقال نجمع ما ورد في القرآن والسنة عن الدعاء للوالدين، ونقترح صيغًا تدعو بها لهما في حياتهما وبعد وفاتهما، ثم نتناول سؤالًا يسأله كثيرون بصمت: كيف أبرّ والديّ حين تكون العلاقة معهما متعبة؟

مكانة الوالدين في القرآن والسنة

قرن الله الإحسان إلى الوالدين بتوحيده فقال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، وقرن شكرهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].

وسُئل النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فذكر الصلاة في وقتها، ثم برّ الوالدين (متفق عليه). وجاءه رجل يسأل عمّن هو أحق الناس بحسن صحبته، فكرّر الأم ثلاث مرات ثم ذكر الأب (متفق عليه). ودعا النبي ﷺ بالخسران على من أدرك والديه عند الكِبر، أو أحدهما، فلم يدخل الجنة بسببهما (رواه مسلم)، أي أنه ضيّع باب الجنة وهو مفتوح أمامه.

الدعاء للوالدين وهما على قيد الحياة

أصل هذا الدعاء في القرآن: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. وتأمّل قوله «كما ربياني صغيرًا»: فهو يذكّرك بأنك تدعو لمن سهر عليك وأنت لا تملك من أمرك شيئًا، فيلين قلبك وأنت تدعو.

ومن أدعية القرآن التي تجمعهما مع غيرهما:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾إبراهيم: 41
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾نوح: 28

ويحسن أن تضيف بكلماتك ما يخص حالهما، فتقول مثلًا: اللهم أطل عمرهما على طاعتك، وارزقهما الصحة والعافية، واختم لهما بخير، وأعنّي على برّهما. وهذه صيغة اجتهادية تدعو بها بلغتك، وليست نصًّا منقولًا عن النبي ﷺ، وقد بيّنا في مقال أدعية القرآن أهمية التفريق بين الأمرين.

وإن كان أحدهما لا يصلي أو بعيدًا عن الطريق، فاسأل الله له الهداية. فقد جاء أبو هريرة رضي الله عنه يشكو إلى النبي ﷺ أن أمه تأبى الإسلام، فدعا لها النبي ﷺ بالهداية فأسلمت (رواه مسلم). فالدعاء بالهداية لا يضيع، والإلحاح فيه مع اللين في المعاملة من أنفع ما تفعله.

الدعاء لهما بعد وفاتهما

الدعاء أنفع ما يُهدى للميت، وقد جاء في الحديث أن الولد الصالح الذي يدعو لوالديه من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت (رواه مسلم، وفصّلناه في مقال الصدقة الجارية). فكل دعوة تدعوها لأبيك أو أمك اليوم تصل إليهما بإذن الله، وهما في أشد الحاجة إليها.

ويمكنك أن تدعو لهما بدعاء الإسراء وإبراهيم ونوح السابقة، وبما ورد في صلاة الجنازة وزيارة القبور من أدعية، وهي مجموعة في صفحة الصدقة الجارية. ومن أطيب ما تقوله أن تذكرهما باسميهما في سجودك وبعد كل صلاة، فالتسمية تحضّر القلب أكثر من العبارات العامة.

تنبيه: الاستغفار لمن مات على غير الإسلام ممنوع، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113]. ومن كان والده كذلك فبرُّه في حياته بالإحسان والدعاء له بالهداية، أما بعد موته فيُفوَّض أمره إلى الله.

أعمال أخرى تصل إليهما

الصدقة عنهما. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن أمه ماتت فجأة ولم توصِ، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (متفق عليه). فاجعل لهما صدقة منتظمة ولو قليلة.

قضاء ما عليهما. من دَين للناس أو أمانة أو نذر، وإنفاذ وصيتهما فيما أباحه الشرع. فحقوق الناس لا تسقط بالموت.

صلة أصدقائهما وأرحامهما. قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» (رواه مسلم). فاتصالك بصديق قديم لأبيك، أو زيارتك لقريبة لأمك، برٌّ يصلهما أجره وتُدخل به الفرح على من كانوا يحبونهم.

أعمال تنسبها إليهما. كسقيا الماء أو رعاية يتيم أو المشاركة في طباعة مصحف، وقد أحصينا صورًا معاصرة منها في المقال المشار إليه. أما ثواب قراءة القرآن فمسألة اختلف فيها العلماء، فمن أراد الاحتياط جعل الأصل في الدعاء والصدقة.

حين تكون العلاقة متعبة

ليس كل بيت هادئًا، وقد يكون أحد الوالدين قاسيًا أو متسلطًا أو مقصّرًا، فيشعر الولد بالذنب لأنه لا يجد في قلبه ما يظن أنه «يجب» أن يجده. والقرآن يعالج هذا بتوازن لافت. ففي سورة لقمان يذكر الله أن والدين قد يجاهدان ولدهما ليشرك به، فيأمره ألا يطيعهما في ذلك، ثم يقول في الآية نفسها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. أي أن الخلاف في الدين أو في الرأي لا يُسقط حسن الصحبة.

ويُفهم من ذلك أن البرّ لا يعني طاعتهما في معصية، ولا يعني أن تكتم ألمك. فحافظ على الأدب في القول والمعاملة مهما كان الخلاف، واحفظ لنفسك حدودًا هادئة إن كان الاحتكاك يؤذيك، ولا تقطع الصلة. وإن كان الأذى شديدًا فاستشر شخصًا موثوقًا من أهل العلم والاختصاص في حدود التعامل. وفي كل الأحوال يبقى الدعاء لهما أسهل أبواب البرّ وأبعدها عن الاحتكاك، فهو لا يكلفك سوى قلب صادق.

عادة بسيطة تبدأ بها اليوم

اجعل لوالديك «دعوة ثابتة» في كل يوم، كأن تدعو لهما في السجدة الأخيرة من صلاتك. وإن كانا أحياء فاتصل بهما، وأخبرهما أنك دعوت لهما، فهذا أحب إليهما من كثير من الهدايا. وإن كانا قد رحلا فاتفق مع إخوتك على وقت أسبوعي يدعو فيه كل واحد منكم لهما، وعلّم أبناءك أن يذكروا جدّيهم في دعائهم. وإن أحببت فيمكنك إنشاء صفحة صدقة جارية باسمهما تشاركها مع الأهل ليجتمعوا على الدعاء لهما.

اجعل الدعاء لوالديك عادة: اعمل صفحتك على ادعيلي أو اقرأ مقالًا آخر.