الصبر على فقد الأحبة: ماذا يقول القرآن والسنة؟

نُشر في أكتوبر 2026 · فريق ادعيلي

حين يرحل من نحب، نسمع من حولنا كلمة «اصبر». لكن كثيرين لا يعرفون ماذا يعني الصبر في لحظة كهذه: هل هو ألّا نبكي؟ ألّا نحزن؟ أن نتظاهر بالقوة؟ والجواب في القرآن والسنة أرحم وأوسع مما نتصور. وفي هذا المقال نعرض ما وعد الله به الصابرين، وما نقوله عند المصيبة، وكيف نواسي من أصيب بفقد.

الحزن ليس ضد الصبر

الدموع لا تنافي الصبر. فقد بكى النبي ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، كما ذكرنا في مقال الصدقة الجارية. وروى أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر، فأمرها بتقوى الله والصبر، فلم تعرفه وردّته بكلام غاضب. فلما علمت أنه النبي ﷺ جاءت إلى بابه تعتذر، فقال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» (متفق عليه).

ومعنى ذلك أن الصبر الأصيل هو ما يكون في أول لحظة من الصدمة، حين يكون القلب أشد ما يكون ثقلًا، فتحتبس الكلمة التي تسخط على قضاء الله، وتنطق بالاسترجاع. أما الدمع والحزن فهما رحمة في القلب، لا يُلام عليهما أحد.

ما وعد الله به الصابرين

قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. فالابتلاء سنة ماضية، والبشارة لمن صبر، وفيها ثلاث عطايا: صلوات من الله، ورحمة، وهداية.

وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». فكل ألم تمر به، حتى الذي لا يراه أحد، له عند الله قيمة.

وقال ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).

ما نقوله عند المصيبة

علّمنا النبي ﷺ قولًا يجمع التسليم والرجاء. روت أم سلمة رضي الله عنها أنه قال:

«مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»رواه مسلم

قالت أم سلمة: فلما مات أبو سلمة، قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ. ومعنى الدعاء: يا رب أعطني أجر صبري، وعوّضني بما هو خير. ولا يلزم أن تعرف كيف سيكون العوض، فيكفيك أن تسأل، والله أكرم من أن يردّك.

ومما يُقال لأهل المتوفى في التعزية: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (متفق عليه).

ما ننهى عنه

ليس المطلوب كتمان الحزن، لكن الشرع نهى عن مظاهر الجزع التي تدل على السخط على قضاء الله. قال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (متفق عليه). فلا نضرب وجوهنا ولا نمزق ثيابنا ولا نندب بعبارات تعترض على الله. أما البكاء الهادئ فمباح.

كيف نواسي من فقد عزيزًا؟

كن حاضرًا قبل أن تكون واعظًا. المصاب لا يحتاج في أول أيامه إلى حكمة جاهزة بقدر ما يحتاج إلى من يجلس بجانبه ويسمع.

ساعده بما يشغله. لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمر النبي ﷺ أن يُصنع الطعام لآل جعفر، لأنهم انشغلوا بمصابهم (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه). فالطعام، وقضاء الحوائج، ورعاية الأطفال من أصدق صور التعزية.

تجنب العبارات التي تقلل الألم. كقولك «كان أفضل له» أو «لا داعي للحزن»، فهي تُشعر المصاب بأن مشاعره غير مقبولة. وقل بدلًا منها: «أنا معك»، «رحمه الله وأحسن عزاءك».

تذكّر المتوفى بالخير. حدّث أهله بموقف جميل عنه. فهذا يفرحهم ويؤنس وحشتهم.

لا تنقطع بعد الأيام الأولى. فالحزن يشتد غالبًا بعد أن ينصرف المعزّون، فاتصال بعد شهر يعني الكثير.

حين يطول الحزن

الحزن بعد الفقد طبيعي، وتختلف مدته من شخص لآخر. لكن إن استمر شديدًا حتى تعطّل نومك أو عملك أو علاقاتك لأشهر، أو صاحبته أفكار بإيذاء النفس أو فقدان الرغبة في الحياة، فهذه علامة على أنك تحتاج إلى عون، فاستشر طبيبًا أو مختصًا نفسيًا، وتحدث إلى شخص تثق به. وإن راودتك أفكار بإيذاء نفسك فتواصل فورًا مع الطوارئ في بلدك أو مع قريب يكون إلى جانبك. وطلب العلاج لا ينافي الإيمان، فقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ» (رواه أبو داود والترمذي)، والجمع بين الذكر والعلاج هو الأكمل، كما بيّنا في مقال فضل الذكر.

اجعل الحزن دعاءً وصدقة

أجمل ما نقدمه لمن رحل هو الدعاء له، والصدقة عنه، وقضاء ما عليه من حقوق، وقد فصّلنا ما ينفع الميت في مقال الصدقة الجارية. فإذا ثقل عليك الحنين، فحوّله إلى دعوة صادقة باسمه، وإلى صدقة تتكرر كل شهر. وبهذا يصير الحزن عملًا صالحًا يصل به الأحياء إلى من فقدوا.

أنشئ صفحة صدقة جارية لمن فقدت أو اقرأ مقالًا آخر.